صديق الحسيني القنوجي البخاري

25

فتح البيان في مقاصد القرآن

فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً في الكلام حذف ، أي فذهبا إليهم فكذبوهما فأهلكناهم إثر ذلك التكذيب إهلاكا عظيما ، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود منها ، وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل . واستحقاق التدمير بتكذيبهم ، وقيل إن المراد هنا الحكم به ، لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهارون إليهم ، بل بعده بمدة . وَ اذكر قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أي كذبوا نوحا وإنما جمع لطول لبثه فيهم ، فكأنه رسل في المعنى ، أو كذبوه . وكذبوا من قبله من رسل اللّه ، لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد : قال الزجاج : من كذب نبيا فقد كذب جميع الأنبياء . أَغْرَقْناهُمْ بالطوفان ، كما تقدم في هود وَجَعَلْناهُمْ أي جعلنا إغراقهم ، أو قصتهم لِلنَّاسِ كلهم بعدهم آيَةً أي عبرة يتعظ بها كل مشاهد لها ، وسامع لخبرها وَأَعْتَدْنا في الآخرة لِلظَّالِمِينَ الكافرين أي قوم نوح خاصة ، فيكون وضعا للظاهر موضع الضمير تسجيلا عليهم بوصف الظلم : ويجوز أن يكون المراد كل من سلك مسلكهم في التكذيب عَذاباً أَلِيماً هو عذاب الآخرة ، سوى ما حل بهم من عاجل العذاب في الدنيا . وَ اذكر عاداً قوم هود وَثَمُودَ قوم صالح ، وقصتهما قد ذكرت فيما سبق ، وثمود بالصرف على معنى الحي ، وتركه على تأويله بالقبيلة قراءتان سبعيتان وَأَصْحابَ الرَّسِّ هو في كلام العرب البئر التي تكون غير مطوية أي لم تبن بالحجارة والجمع رساس ، كذا قال أبو عبيدة ، وقيدها أهل اللغة ، كصاحب القاموس ، بأنها التي طويت ، أي بنيت بالحجارة ، فيؤخذ من مجموع النقلين أن الرسّ ابتداء الشيء ، ومنه رسّ الحمى وسيسها ، والبئر المطوية بالحجارة انتهى قال السدي : هي بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار ، فنسبوا إليها ، وهو صاحب يس الذي قال يا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ [ يس : 20 ] ، وكذا قال مقاتل وعكرمة وغيرهما وقيل هم قوم بأذربيجان قتلوا أنبياءهم ، فجفت أشجارهم ، وزروعهم ، فماتوا جوعا وعطشا . وقيل كانوا يعبدون الشجر وقيل كانوا يعبدون الأصنام فأرسل اللّه إليهم شعيبا عليه السلام فكذبوه وآذوه ، وقيل بئر بفلج اليمامة قرية عظيمة بناحية اليمن . أو موضع باليمن من مساكن عاد ، وهم قوم أرسل اللّه إليهم نبيا فقتلوه وقيل هم أصحاب الأخدود ؛ وقيل إن الرس هي البئر المعطلة التي تقدم ذكرها أو صحابها أهلها ، وقال في الصحاح : الرس اسم بئر كانت لبقية ثمود ، وقيل الرس ماء ونخل لبني أسد وقيل هو الثلج المتراكم في الجبال ، أو الرس اسم واد قريب من البصرة قاله ابن كثير والرس أيضا الإصلاح بين الناس ، والإفساد بينهم فهو من الأضداد . وقيل الرس نهر بالشرق وقيل هم قوم كذبوا نبيهم ورسوه أي دسوه في بئر فبينما